
من خلال هذه التجارب، سواء عبر العمليات اللوجستية، أو التطوير التقني، أو دعم نمو الأعمال، أو الشراكات التجارية الحقيقية، أصبحت أرى سوق التجارة الإلكترونية في العراق من الداخل،
بقلم: مجاهد الويسي – الشريك المؤسس لشركة Hi-Express
منذ عام 2004، بدأت رحلتي في القطاع الخاص كمصمم مواقع مستقل، ثم انتقلت عبر محطات وتجارب محورية في مجالات الإعلام، التقنية، تنظيم الأعمال، وبناء الشركات. هذا المسار قادني لاحقاً إلى الدخول العميق في القطاع اللوجستي، سواء كمستثمر سابق أو كمؤسس، إضافة إلى العمل والتعاون — بشكل مباشر أو غير مباشر — مع عدد كبير من منصات التجارة الإلكترونية، البراندات الاستهلاكية، المشاريع الرقمية، وأصحاب البيجات، محلياً ودولياً.
من خلال هذه التجارب، سواء عبر العمليات اللوجستية، أو التطوير التقني، أو دعم نمو الأعمال، أو الشراكات التجارية الحقيقية، أصبحت أرى سوق التجارة الإلكترونية في العراق من الداخل، لا كما يُقدَّم من الخارج. وهذه التجربة قادتني إلى قناعة أساسية أحب مشاركتها مع كل تاجر أو علامة تجارية تفكّر بالسوق العراقي.
من يتحكّم فعلياً بسوق التجارة الإلكترونية في العراق؟
أكبر عامل يتحكم بسوق التوصيل والتجارة الإلكترونية في العراق ليس التطبيق، ولا الشركة، ولا حتى رأس المال.
العامل الحقيقي هو نظام العمل التشغيلي الذي نشأ من داخل السوق نفسه، وتطوّر بشكل عضوي عبر السنوات، بدون تخطيط مركزي أو إطار تنظيمي واضح.
بدأ هذا السوق بشكل بسيط جداً: مندوبون أفراد يقومون بتوصيل الطلبات من التجار أو أصحاب الصفحات. ثم ظهرت المكاتب الصغيرة، وبعدها شركات التوصيل، ولاحقاً وكلاء المحافظات. معظم هذا النمو حصل بدون أنظمة تشغيل متكاملة، وأحياناً بدون تسجيل رسمي، وغالباً بدون عقود واضحة. في كثير من الحالات كانت الضمانات شفهية، أو عبر كمبيالات، أو قائمة على علاقات شخصية أكثر من كونها التزامات مؤسسية.
لفترة طويلة، أصبح المندوب هو مركز القوة في هذه المنظومة، يتحكم بالجودة، والسرعة، والتجربة النهائية للزبون.
درس مهم من تجربة تطبيقات التكسي
في المقابل، شهد العراق تجربة ناجحة في قطاع آخر، وهو قطاع تطبيقات التكسي. في عام 2017، كان من النادر أن يقبل سائق تكسي العمل عبر تطبيق. اليوم تغيّر المشهد تماماً. أصبح السائق “كابتن” يفهم تجربة الزبون، وآلية التقييم، وتأثير النجوم الخمس على دخله واستمراريته. التقييم لم يكن شكلياً، بل أصبح أداة حقيقية للمكافأة والمحاسبة وحتى الإيقاف عند الحاجة.
نفس التحوّل انعكس على سائقي الدراجات. تغيّرت نظرة المجتمع، وتحسّنت العلاقة بين الزبون والسائق، لأن النظام نفسه تغيّر.
لكن في قطاع التوصيل الخاص بالتجارة الإلكترونية، وبالأخص في مرحلة الـ Last-Mile، لا يزال المندوب يعمل ضمن نموذج قديم لا يواكب حجم السوق ولا توقعات الزبائن الحديثة.
لماذا لا يزال قطاع التوصيل متأخراً؟
السبب الرئيسي هو أن السوق مبني على حروب أسعار وضغط مستمر على التدفق النقدي. الهوامش الربحية ضعيفة، ومعظم شركات التوصيل لا تستطيع الاستثمار بشكل كافٍ في تدريب المندوبين، أو تحسين الجودة، أو بناء تجربة زبون حقيقية ومستدامة. النتيجة هي تحسينات محدودة، لا تغييرات جذرية.
بناء مدرسة جديدة في اللوجستيات
في Hi-Express، بدأنا من سؤال أساسي:
كيف يمكن بناء مدرسة جديدة في القطاع اللوجستي في العراق؟
مدرسة تغيّر الثقافة التشغيلية، وليس فقط الأدوات.
كانت أول خطوة هي إطلاق أكاديمية الكابتن، المبنية على التدريب المستمر، وربط الأداء بتقييم مباشر من الزبون النهائي عبر نظام خمس نجوم حقيقي، وليس شكلياً.
اليوم، ما يقارب 40٪ من طلباتنا تحتوي على تقييم من الزبون النهائي، وهي نسبة عالية جداً على مستوى Customer Feedback Rate في السوق العراقي. هذه البيانات مكّنتنا من مكافأة أفضل الكباتن، معالجة الأخطاء مبكراً، فرض المحاسبة، والاستغناء عن بعض العلاقات عند الحاجة، لكن بطريقة منظمة وعادلة.
هذا النهج انعكس بشكل مباشر على جودة الخدمة، خصوصاً أننا نخدم علامات تجارية لديها متطلبات تشغيلية متقدمة مثل التوصيل المبرد، حلول BNPL مع التحقق عبر OTP، وتجارب زبون لا يمكن تحقيقها ضمن النموذج التقليدي للمندوب.
تكلفة التغيير ولماذا هو ضروري
واحدة من أصعب التحديات التي واجهتنا كانت مقاومة التغيير من قبل بعض المندوبين. خلال فترة قصيرة، اضطررنا إلى تغيير آليات العمل، توقيع عقود أكثر إحكاماً، استبدال أسطول لإحدى الزونات، استقطاب دماء جديدة، ثم العمل على مواءمة بقية الفريق مع هذا النموذج الجديد.
لم يكن الهدف هو التعقيد أو الصدام، بل لأن السوق فعلاً بحاجة إلى قواعد جديدة، ومعايير أوضح، ومستوى أعلى من الاحترافية.
لا يمكن لشركة واحدة إصلاح السوق
من أهم القناعات التي وصلنا إليها أن لا شركة واحدة قادرة على إصلاح السوق بمفردها. التطوير الحقيقي يتطلب تعاوناً بين اللاعبين الذين يؤمنون برفع الجودة وبناء قطاع مستدام، وليس فقط تحقيق أرباح قصيرة الأمد.
لهذا السبب بدأنا ببناء شراكات استراتيجية وتشغيلية مع شركات توصيل أخرى، نقدّم خدمات ونتلقّى خدمات بالمقابل، بدون حساسية أو تضارب مصالح، ولكن بعقلية مهنية تركز على التنفيذ والجودة.
لماذا يهم هذا التجار؟
بالنسبة للتجار والبراندات التي تنظر إلى العراق كسوق توسّع، الفرصة حقيقية. نحن نتحدث عن سوق يتجاوز 700 ألف طلب يومياً، بمعدل نمو مستمر، ومجتمع متقبل للتجارة الإلكترونية ويتوقع خدمات أفضل مع الوقت.
العراق سوق يضم أكثر من 46 مليون مستهلك، وما زالت ملايين المنتجات العالمية لم تدخل إليه بعد، ليس بسبب ضعف الطلب، بل بسبب أن البنية اللوجستية لم تكن دائماً جاهزة لدعم هذا التوسع بالشكل الصحيح.
كلمة أخيرة
الطريق ليس سهلاً، لكنه أصبح أوضح من أي وقت مضى.
الذين يبنون من داخل السوق، ويفهمون تعقيداته التشغيلية، هم من سيشاركون في رسم مستقبله.
شخصياً، أنا ملتزم بالتطوير المستمر، مع فريق يضم طاقات ومهارات عالية، في رحلة صعبة لكنها تستحق

وصل عدد الطلبات المجدولة يومياً إلى أكثر من 700,000 طلب. هذا الرقم يعكس سوقاً نشطة للغاية اعتادت على الشراء الرقمي بشكل كامل